الشيخ محمد هادي معرفة

237

تلخيص التمهيد

آحاد لا تواتر ثمَّ على فرض ثبوت إسناد بين القارئ وأحد الصحابة الأوَّلين ، فهو إسناد آحاد لا يبلغ حدّ التواتر ، ولا يتوفّر فيه شروطه أصلًا . هذا عبد اللَّه بن كثير ( ت 120 ه ) - ثاني القرّاء قرباً إلى عهد الصحابة - لم يذكروا في رجاله سوى ثلاثة : عبد اللَّه بن السائب ، ومجاهد بن جبير ، ودرباس مولى ابن عبّاس . وكذا عاصم بن أبي النجود ( ت 128 ه ) - ثالث القرّاء قرباً - رجاله اثنان : أبو عبد الرحمان السلمي ، وزرّ بن حبيش . وأبعد القرّاء زماناً الصحابة هو الكسائي ( ت 189 ه ) ذكروا له ثلاثة رجال : حمزة بن حبيب ، وعيسى بن عمر ، ومحمَّد بن أبي ليلى . وهل يثبت التواتر - في هذا الطول من الزمان - بطرق ثلاثة أو اثنين ؟ نعم ، ذكروا لنافع خمسة رجال ، ولحمزة سبعة ، ولأبي عمرو اثني عشر ، وذلك أيضاً لا يثبت التواتر ، لأنَّها آحاد في مصطلح الفنّ كما لا يخفى . هذا مع الغضِّ عن الخدشة في رجالات هذه الأسانيد ، ممَّن كان يعوزهم صلاحية الإقراء ، أوليس من شأنهم التصدّي لإقراء الناس ! . مثلًا ذكروا من شيوخ حمزة « الإمام جعفر بن محمَّد الصادق عليه السلام » وأنَّ مقام إمامته الكبرى لتشغله عن التصدّي لهكذا أمور صغيرة ، كما لم نر أثراً من قراءة الإمام عليه السلام في قراءة حمزة ولا هو نسبها إلى الإمام عليه السلام . ومن ثمَّ قال أبو شامة : وغاية ما يبديه مدَّعي التواتر . . . أنَّه متواتر إلى ذلك الإمام الَّذي نُسبت القراءة إليه ، بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة إلّاأنَّه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبي صلى الله عليه وآله . . . وهنالك تسكب العبرات . . . « 1 » قلت : بل ودون إثباته خرط القتاد . على أنَّ مسارب الشكّ في صحَّة تلكم الطرق ملموسة ، بعد أن لم يكن لها أثر في كتب الأوائل ، وإنَّما هو شيء صنع متأخِّراً في القرن الثالث ، يوم أصبحت القراءة والإحاطة بفنونها صنعة رائجة ، ولم ينقل بنقل صحيح أنَّ أحداً من القرّاء أسند قراءته إلى السماع أو

--> ( 1 ) المرشد الوجيز : ص 178 .